فتوى شرعية بشأن حظر { تداول الأسهم } في سوق الأوراق المالية

-A A +A

بسم الله الرحمن الرحيم

فتوى شرعية بشأن حظر { تداول الأسهم } في سوق الأوراق المالية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث هدى ورحمة للعالمين ، محمد بن عبدالله خاتم الأنبياء وسيد المرسلين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين .. أما بعد ،،

فقد كثر السؤال حول حكم الشرع الشريف في نازلة " تداول الأسهم في الأسواق المالية " ، ولا سيما بعد ما شهده العالم من أضرار البورصات ومفاسدها حتى شاع في فطرة العامة وصفها بأنها ضرب من القمار وأكل المال بالباطل ، والحق أنني لم ألتق فقيها إلا وهو يظهر الكراهة الشديدة تجاه هذا السوق ومعاملاته ، وربما جاهر بعضهم بنهي السائلين عنه بحكم الورع لا بحكم الشرع ، إذ التحريم يلزمه الدليل وأمانة الفقيه توجب عليه ألا يطلق الحظر على ما أصله الإباحة إلا بدليل شرعي حاظر ظاهر ، وربما دعا بعض أعلام الشريعة والاقتصاد في عصرنا إلى تجديد الاجتهاد في هذه النازلة ، بل إلى ضرورة قيام دراسات اقتصادية ومالية وشرعية حول فكرة إلغاء البورصات .

ولقد بقيت زهاء خمس سنين متحفظا لا أفتي بحكم الأسهم وتداولها إلا تقليدا للمجامع الفقهية الدولية ، وآليت أن أتصدى خلالها لحكم هذه النازلة من مختلف جوانبها الاقتصادية والمالية والقانونية والشرعية ، فسلكت طريق البحث والمدارسة وإعمال الذهن وإتقان تصور المسألة طبقا لواقعها العملي ، كما ناقشت     في مضامينها نخبة من حذاق الفقه وأذكياء القانون وخبراء المال والبورصات حتى تكشفت لي حقيقة المسألة ، واستبان لي بيقين أن الراجح فيها " حظر نظام تداول الأسهم في سوق الأوراق المالية " ، ولم أزل أراجع في مفاصلها بعض كبار فقهاء العصر حتى شهدوا للدراسة بالجدارة والعمق ، بل أوجبوا العمل على استكمالها تأصيلا وتحريرا وتواصلا مع المجامع والهيئات العلمية في العالم الإسلامي ، فحررت فيها دراسة موسعة الأبواب والفصول يجدر إخراجها لاحقا بصورة مستقلة .

بيد أنني وأداء لأمانة التبليغ ونصحا للأمة وإبراء للذمة ولأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز شرعا ؛ فقد رأيت ضرورة إصدار فتوى مختصرة تلبي حاجة المسلم إلى معرفة ما توصلت إليه ديانة ، فكان منهجي فيها تحرير مقدمات القول بالإباحة مقرونة بما ينقضها من الحجج والبراهين الصريحة عقلا وعلما وواقعا ، ثم إقامة أدلة الحظر والتحريم الشرعي ووجه دلالتها علىحظر " نظام تداول الأسهم " ، فبلغت الأدلة ـ بفضل الله وتوفيقه ـ اثني عشر دليلا تحريميا ظاهرا ، وكل دليل منها يقضي مستقلا بحظر " تداول الأسهم " فضلا عن مجموعها ، على أن أتبع هذه الفتوى المختصرة في " حظر نظام تداول الأسهم " بدراسة علمية مطولة تكون كالشارحة لها ، بحيث تحاكيها في منهجها ومقاصدها ونتائجها فلتطلب في مظانها .

 

ولقد سبرت أدلة القائلين بإباحة تداول الأسهم فألفيتها ترجع إلى ثلاث مقدمات رئيسة ، وبيانها مقرونة بنواقضها على النحو الآتي :

أما المقدمة الأولى فتقضي بأن البورصة ضرورة اقتصادية معاصرة وأنها مرآة الاقتصاد ، وهي مقدمة باطلة جملة وتفصيلا ، بل هي مناقضة لمسلمات ومبادئ علم الاقتصاد ، وذلك من وجوه ؛ منها : أن البورصات لا تقدم إنتاجا ولا تحدث رواجا للسلع والخدمات ، بل على العكس تماما فإن دوران النقود في فلك تضخيم الفقاعة السعرية للأسهم يعطل توجيهها نحو توظيف الموارد الاقتصادية فلا تجارة ولا إنتاج حقيقيين ، فمَثَل البورصة في الاقتصاد كمثل الورم السرطاني الخبيث في جسم الإنسان يستقطب الدماء ليتضخم بها فيتضرر البدن بذلك ، ولا علاج له ولا بديل إلا بنفيه واستئصاله وإعادة مجاري الدماء لتبني الجسد بصورة صحية ومنتظمة ، ذلك أن تعطيل الإنتاج والتجارة الحقيقيين هو بوابة الدمار الاقتصادي .

ومنها : أن أضرار البورصات كثيرة وكلية وراجحة ؛ وأبرزها خمسٌ طردية وهي : ارتفاع البطالة والتضخم وزيادة الواردات وحلول الفقر وزيادة الدين العام للدولة ، وخمس أخرى عكسية ، وهي : تدني الإنتاج الحقيقي ( الناتج الإجمالي GDP ) ، وتراجع التجارة العينية الحقيقية ، وانخفاض الصادرات ، وكذا الكفاءة الاقتصادية ( توظيف الموارد ) ، وضعف قوة النقد واستقراره ، فتمت المفاسد الكلية للأسواق المالية عشرة كاملة .

وأما تصريحات كبار علماء الاقتصاد المشهود لهم من غير المسلمين فضلا عن المسلمين في مواقفهم المناهضة للبورصات وأنها مصدر المفاسد والأزمات الاقتصادية ومقبرة للثروات المالية فهي كثيرة مشهورة ، ويكفي أن الاقتصاديين لاحظوا درجة الارتباط الوثيق بين الأزمات الاقتصادية والبورصات المالية خلال القرن الماضي ، كما لاحظوا أن وقوع الأزمة الاقتصادية يأتي بعد ظاهرة تضخم الفقاعات السعرية في الأسواق المالية ، ولا أدل على ذلك مما وقع في أزمة الكساد العظيم ( الخميس الأسود ) ( أكتوبر 1929 ) ، وأزمة سوق المناخ بالكويت ( أغسطس 1982م ) ، وأزمة الاثنين الأسود ( أكتوبر 1987م ) ، وأزمة النمور الآسيوية ( 1997م ) ، وأزمة فقاعة الانترنت ( 2000م ) ، وأزمة سوق المال بالمملكة العربية السعودية ( فبراير 2006م ) ، وحاليا الأزمة المالية العالمية ( سبتمبر 2008م ) ، والتي لا تزال ارتداداتها تهدد الاقتصاد العالمي برمته ، وهكذا يشهد التاريخ بصدق أن نظام التداول المضاربي في الأسواق المالية ( وهو الباطل ) إلى جانب خلق الائتمان في البنوك ( وهو الربا ) هما المصدران الرئيسان لإحداث الأزمات الاقتصادية في العالم [1] .

وقد تتبعت المنافع المزعومة للبورصات والتي تُستنسخ تقليدا بين المصادر والبحوث العلمية فأخضعتُها للفحص والتحليل الاقتصادي فلم يثبت عندي منها شيء ، بل عامتها تدور بين الخرافة والوهم ، فالزعم مثلا بأن البورصة مرآة للاقتصاد هو من أبطل الباطل لمن فقه أبجديات الفكر الاقتصادي ، إذ البورصات مرآة دالة على استفحال المرض والخلل لا الصحة ، بل هي بيئة أزمة ومشروع فساد وحاضنة مرض ؛ لأنها تعكس حالة التكاثر السرطاني الضار في جسد الاقتصاد ، ومثله الزعم بأن البورصة مكان لتجميع الفوائض المالية وتوجيهها نحو المشروعات المنتجة ، فهذا قول من لا يفقه في واقع الأعمال شيئا ، ولم يمارس تأسيس شبه شركة فضلا عن إنشاء وتشغيل الشركات الكبرى ، ذلك أن تجميع الفوائض للمشروعات لا صلة له بالبورصات البتة ، وإنما يتم تأسيس وتشغيل الشركات وفق القوانين لمدة سنتين أو ثلاث كشرط سابق على الإدراج ، فإذا أثبتت الشركة جِدِّيَّتها من واقع بياناتها المالية لسنوات جاز لها حينئذ التقدم بطلب الإدراج بعد استيفاء شروط البورصة ، فإذا تم الإدراج بعد السنة الرابعة أو الخامسة جرى تداول أسهمها بقيمتها السوقية ( المضاربية ) ، فثبت بذلك بطلان هذه الميزة المزعومة عقلا وواقعا .

وبالجملة فإننا لو سلمنا بإثبات بعض المنافع الجزئية للبورصات إلا أننا ندرك بعلم ويقين أن المفاسد الكلية للبورصات أعظم وأرجح من مصالحها الجزئية ، وقانون الشريعة يقضي بتقديم درء المفاسد الكلية الراجحة على جلب المنافع الجزئية القاصرة ، ذلك أن الله تعالى علمنا ميزان العدل في الحكم على المعاملات المالية فقال تعالى : { ويسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما } [2] ، وبهذا يشهد العلم والعقل والواقع والتاريخ على أن " البورصات مقبرة الثروات " .

 

وأما المقدمة الثانية : فمفادها : أن السهم حصة مشاعة في أصول الشركة وموجوداتها الحقيقية ؛ بدليل استحقاقه الربح السنوي وحصته عند التصفية ، وهذه المقدمة فاسدة أيضا لمناقضتها الأساس المالي والمحاسبي والقانوني فضلا عن الواقع العملي ، فالسهم الذي يتم تداوله في البورصات ليس حصة حقيقية مشاعة في الشركة ، وإنما هو حقوق مجردة يتم تداولها منفصلة عن أصول الشركة وموجوداتها الحقيقية ، والأدلة على ذلك كثيرة ومتضافرة ؛ منها : إجماع العرفين المالي والمحاسبي على التفرقة بين القيمة الدفترية والقيمة السوقية للسهم ، فبينما الأولى تختص بالتقييم الواقعي لصافي قيمة الأصول التشغيلية نجد أن القيمة السوقية تختص بتقييم السهم خلال مرحلة التداول في البورصة ، واختلاف أساس التقويم دليل على التباين الكبير بينهما في الطبيعة والماهية ،ومنها : انفصال السوقين انفصالا ماديا حقيقيا فالأصول والموجودات التشغيلية للشركة لها سوقها العيني الخاص ، بينما أسهم الحقوق القانونية المجردة يتم تداولها في سوقها المالي الخاص بها ؛ وهو البورصة ، حتى إن القوانين لتحظر تداول الأسهم إلا طبقا لإجراءاتها وعبر وسطائها وفي سوقها المعتبر قانونا .

ومن أصول النقض لهذه المقدمة الفاسدة قاعدة " الانفكاك والانفصال " بين الحق المجرد وأصله العيني ، ومعناها : أن السهم المتداول في البورصة منفك ومنفصل عن أصله العيني وواقعه التشغيلي في الشركة المصدرة له ، وأن وجود ارتباطات وحقوق جزئية يملكها حامل السهم مضافة إلى الشركة لا يلغي أصل خاصية " الانفكاك " الحقيقي ، فالأصل في تداول السهم هو " الانفكاك " وأما الارتباطات المالية أو الإدارية الجزئية فإنما هي توابع ثانوية وغير مقصودة أصالة في عقود تداول الأسهم ، بل إن المضاربين والذي تتراوح نسبة عملياتهم إلى إجمالي عمليات التداول في اليوم الواحد ما بين ( 97- 100 % ) لا يلتفتون البتة إلى تلك التوابع الجزئية الطارئة على أصل فكرة التداول ، فالبورصات لم توضع لتبادل الحصص العينية وإنما وضعت أصالة لتداول الأسهم المالية ذات الطبيعة الحقوقية المجردة ، وليس أدل على ذلك من كون البورصات في ظل الأزمات وما بعدها لسنوات تعود التداولات فيها مضاربية بنسبة ( 100 % ) ، كما هو الواقع المشهود للأسواق المالية منذ الأزمة العالمية 2008م وحتى زمن إعداد هذه الفتوى ، فثبت أن المضاربات السعرية هي روح البورصات ، وأنه لا قيام للبورصات بغير إدمان التداول للحقوق المجردة ، ولذلك اتفقت القوانين المالية المعاصرة على أن خاصية " تداول الأسهم " من قبيل النظام العام في القانون ، فلا يجوز إبطالها ولا الاتفاق على مخالفتها .

وأما الأدلة العملية على إثبات قاعدة " الانفكاك " بين السهم الدفتري والسهم السوقي فكثيرة ؛منها : أنك ترى الشركة يوقف تداول أسهمها في البورصة ، ثم هي لا تزال في الواقع تعمل وتحقق أرباحا تشغيلية لسنوات متعاقبة على الرغم من إيقاف تداول أسهمها في البورصة ، ومنها : أن السهم تكون قيمته مرتفعة جدا ؛ بينما الشركة في واقعها التشغيلي ووفق بياناتها المالية المعلنة تكشف عن تحقيق خسائر متتالية لسنوات عديدة ، والعكس صحيح ؛ فإنك ترى الشركة تحقق نموا كبيرا أرباحا تشغيلية عالية في الواقع العملي ؛ ثم ترى أسهمها ذات قيمة سوقية متدنية في البورصة ، وما ذاك إلا لمجرد تراجع الثقة بالسوق أو لاضطراب الحالة النفسية العامة لدى جمهور المتعاملين ( القطيع ) .

والمقصود : من مجموع الأدلة والحقائق السابقة إثبات أن ما يَتَوَهَّمُهُ البعض من أن السهم بقيمته السوقية المتداولة في البورصة يمثل حصة مشاعة في الأصول التشغيلية للشركة للسهم إنما هو خطأ في العلم ومناقضة للحس والواقع ، إذ إن ذلك هو اختصاص القيمة الدفترية ( الفعلية ) .

والحق إن فقهاء الشريعة الإسلامية المعاصرين قد تلقوا هذه المقدمة ( الفاسدة ) عن فقهاء القانون التجاري ، وهي أن السهم حصة حقيقية مشاعة في أصول الشركة ، وما علموا أن هذا القول هو أضعفُ الأقوال وأردؤها عندهم ، ولذلك رفضه حذاق القانون وكبراؤه ؛ وعلى رأسهم الأستاذ السنهوري باشا ، بل إننا باستقراء التعريفات القانونية للسهم نجد أن عامتها جاءت مناقضة لهذا المفهوم السطحي والخاطئ للسهم ، بل إن التشريعات الحديثة للأسواق المالية جاءت مخالفة لهذا المذهب الخاطئ نصا ، ومن واقع البحث القانوني العميق نصل إلى أن أقوى المذاهب القانونية وأرجحها مذهب من يرى أن السهم يمثل " حق دائنية " ، ويستند هذا الترجيح القانوني إلى نحو عشرة أدلة راجحة ومعتبرة في تخصص القانون التجاري ، وهو ما تتجه نحوه التشريعات القانونية الحديثة والمتطورة ، ومن أعجب ما رأيت في علمي فقه الشريعة والقانون التجاري أن هذا الرأي القانوني الراجح في تكييف السهم هو المتوافق مع رأي ابن عباس وكبار الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ كما سنراه لاحقا في دليل " بيع الصكاك " .

ومعنى " الصفة الدائنية " أن الشركة المساهمة تنشأ على ذمتها التزامات حقوقية بمجرد إصدارها للأسهم ، بحيث تكون الشركة المصدرة للأسهم مدينة بمجموعة التزامات دائنية نحو حملة الأسهم ، وفي المقابل يكون حاملوا الأسهم دائنين بنفس تلك الالتزامات نحو الشركة ، والحق إن هذا الوصف طبيعي في الشركات عموما ؛ ولذلك يعبر محاسبيا عن هذه الحقيقة بمصطلح " حقوق الملكية " وتدرج ضمن بنود المطلوبات في الميزانية ، بيد أن إكساب هذه الالتزامات والحقوق المجردة صلاحية التداول والمتاجرة بها بيعا وشراء هو الأمر الحادث في نظم الشركات ، بل لا وجود له فقها وقانونا إلا في الشركات المساهمة المدرجة في البورصات ، وبرهان الصفة الدائنية أن حامل السهم لا سلطة له مباشرة على أي من أصول الشركة أثناء حياتها وقبل التصفية ، وبهذا البيان الواضح نفهم أن الأسهم لا تعدو أن تكون وثيقة تنطوي على حقوق والتزامات مجردة يتم تداولها استقلالا في سوقها الخاص على أساس القيمة السوقية ، فإذا تدافع الناس نحو الاسترباح من الأسهم عن طريق تداول تلك الالتزامات الدائنية فإنما هي صورة معاصرة من صور المتاجرة بالديون والالتزامات المجردة .

وبهذا تتضخم الفقاعات السعرية لأنها باتت محل الرهان في المضاربات الفورية ، والمحرك الأساس لهذا النمو الفقاعي هو رواج الحالة النفسية الإيجابية العامة لدى المتعاملين بالبورصة ؛ فلا إنتاج ولا تجارة حقيقية تؤثر في حركة السلع والخدمات داخل الاقتصاد ، ومن هنا فقد تنبه حذاق القانون إلى أن أثر الالتزام الدائني في الأسهم يستوي مع أثر الالتزام الدائني في السندات ؛ حيث تجمعهما صفة واحدة هي " الالتزام الدائني " ؛ وفيها تتحد حقيقتهما الفنية وطبيعتهما الحقوقية المجردة ، ولا فرق بينهما سوى أن السندات ذات أصل إقراضي ( أثمان ) في حين الأسهم ذات أصل حقوقي ( مثمنات ) ، وبهذا نفهم سِرَّ الجمع بين الأسهم والسندات في سوق واحد هو " سوق الأوراق المالية " ، وتنص القوانين على أن الأوراق هي " الأسهم والسندات " .

 

وأما المقدمة الثالثة : فحاصلها الاستدلال على إباحة " تداول الأسهم " بقاعدة الأصل في المعاملات المالية الصحة والإباحة ، وبطلان الاستدلال بهذه المقدمة يسير في مبادئ الفقه وأصوله ، فإن مما اتفق عليه الفقهاء والأصوليون أن هذه القاعدة لا يعمل بها إلا بشرط التحقق من فقدان الدليل الأقوى منها ، فقاعدة الإباحة دليلٌ عَدَمي ؛ أي لا يُعمل به إلا حال انعدام ما هو مقدم الرتبة عليه من نص أو إجماع حاظر معتبر ، فإذا ثبت لدينا دليل شرعي واحد فقط من الكتاب أو السنة أو الإجماع المعتبر فإن ذلك في فقه الأصول كفيل بإلغاء الاستدلال بقاعدة الأصل الإباحة ، بل يجب شرعا اتباع مقتضى الدليل الشرعي وإهمال القاعدة لأنها الأضعف في هذا المقام ، وفي هذه الفتوى سأورد اثني عشر دليلا معتبرا ؛ من بينهما عشرة نصوص شرعية حاظرة ، وإن هذا الزخم من الأدلة الشرعية ـ بمجموعها أو بأفرادها ـ  يقتضي أمرين ، أولهما : بطلان الاستدلال بقاعدة الأصل الإباحة في نازلة الأسهم ، والثاني : " حظر تداول الأسهم " في الأسواق المالية .

وإذ قد صح لنا نقض المقدمات الثلاث للقول بإباحة تداول الأسهم مستدلين بحقائق علمية ووقائع عملية فليعلم في المقابل أن دراستي لحكم تداول الأسهم كشفت لي عن جلالةِ النصوص الشرعية وإحكامِ لفظها وعمقِ دَلالتها وكمالِ هدايَتِها في الدلالة على مفاهيمَ تجارية وآليات مالية لم تزل ملامحها غامضة على كثير من فقهاء عصرنا بل والاقتصاديين في زماننا ، وصدق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " بُعِثْتُ بجوامع الكلم " [3] ، وما أحسن قول الزركشي : ( فائدة : على فقيه النفس ذي الملكة الصحيحة تتبع ألفاظ الوحيين الكتاب والسنة واستخراج المعاني منهما ، ومن جعل ذلك دَأَبَهُ وَجَدَها مَمْلوءَةً ووَرَدَ البحرَ الذي لا يُنْزَف ) [4] ، وتأسيسا عليه فلنشرع ببيان الأدلة الشرعية الدالة على " حظر تداول الأسهم " ، وهي اثنا عشر دليلا ، وبيانها على النحو التالي :

 

أولا : قاعدة حظر { أكل المال بالباطل } في الشريعة الإسلامية :

لقد أبرز القرآن الكريم أصلين كليين تدور عليها المحظورات المالية في الشريعة الإسلامية ،أولهما : الربا ، والآخر : أكل المال بالباطل ، فالباطل تكرر النهي عنه في القرآن الكريم في أربعة مواضع [5] ، وقد جاء فيها مقترنا بالأموال ؛ فدل ذلك على أن له معنى خاص في عقود المعاوضات المالية ، وضابطه عندي " أخذ مال بلا مقابل يستحقه شرعا أو عرفا " ، كما عرفه ابن العربي بقوله : ( وحَدُّهُ : أن يَدْخُلا في العَقْدِ على العِوَضِيَّةِ فيكونُ فيهِ ما لا يُقابِلُهُ عِوَضٌ ) [6]، وهذا الاتجاه الوصفي في تفسير آلية الباطل نصره ابن عباس والحسن وغيرهما من السلف ، وعلته المستنبطة : " الإخلال بعدالة المثمن " ، وهذا هو " تخريج المناط " .

والحكمة من حظر الباطل كما الحكمة من حظر الربا متحدة في أصلهما ، وحاصلها : تحفيز النشاط العيني الحقيقي ممثلا بضمان حركة السلع والخدمات النافعة للاقتصاد ، وحمايتها من التعطيل كليا أو جزئيا ، فإن من ضرورة السماح بالتربح من هامش الزمن على أساس النقد المجرد ( الربا ) أو على أساس الحقوق المجردة ( الباطل ) يؤدي إلى تعطيل الحركة النافعة للسلع والخدمات إنتاجا أو تجارة كليا أو جزئيا ، وهذه النتيجة السلبية للاقتصاد تحظرها الشريعة الإسلامية وتحظر جميع الطرق والوسائل المؤدية إليها ، وبهذا يُعلم أن مقصد الشريعة ربط الأموال بالمنافع والأعمال ؛ لتعلق نفع الاقتصاد بحركتها ، فإذا استقلت حركة التربح من الأثمان بذاتها أو استقلت حركة التربح من الحقوق المجردة بذاتها ؛ ففي الحالتين ستؤول الأعمال والمثمنات إلى حالة من الركود والكساد نتيجة انفصالها وإهمالها ، وهذه في فقه الاقتصاد بوابة الفساد والتخلف الاقتصادي العام .

وقد اختبرتُ " علة الباطل " بتطبيقها على سائر المحظورات المالية في الشريعة الإسلامية فألفيناها قائمة ومتحققة فيها جميعا ؛ مما يؤكد صحة العلة المستنبطة ، فهي علة صحيحة تحققت في : حظر الميسر والتطفيف والغرر والغش والنجش وبيع ما لا تملك والعينة والبيعتان في بيعة واجتماع السلف والبيع وربح مالم يضمن وحَبَل الحبلة وتلقي الجلب والركبان والملامسة والمنابذة ونحوها ، كما إن العلة المستنبطة عينها تحققت فيها الشروط المعتبرة للعلة الأصولية ؛ بكونها " وصفاً مناسبا ظاهرا منضبطاً متعديا مطردا وسالما من المعارضة " ، وهذا هو " تنقيح المناط " ، فإذا صحت العلة عند المجتهد لزمه استثمارها بتعديتها إلى ما ماثلها من المسائل والنوازل المستجدة ، وهذا هو " تحقيق المناط " .

وعلى هذا فكل معاوضة مالية يكون فيها أخذ مال " ثمن " دون أن يقابلَه ما يعادلُه أويكافئُه أويستحِقُّه من جهة " المثمن " فإن هذه المعاوضة داخلة تحت { معيار الباطل } في الأموال في الشريعة الإسلامية ، وعليه فالراجح أن المعاوضات في " نظام تداول الأسهم " تحققت فيها علة الباطل وهو " الإخلال بعدالة المثمن " ، فيكون حكمه شرعا " الحظر والتحريم " ، ووجه اختلال عدالة المثمن في تداول الأسهم أنك ترى السهم يتم تداوله في البورصات وفق القيمة السوقية ( المضاربية ) ، وهي تختلف اختلافا كبيرا ومعلوما عن الواقع الفعلي لقيمة ما يمثله السهم على الحقيقة ؛ وهو المسمى بالقيمة الدفترية ، وليس ذلك إلا عين أكل الأموال بالباطل .

ومن منظور الاستدلال الأصولي : فإننا نستدل بآيات النهي عن " أكل الأموال بالباطل " على حظر" تداول الأسهم " بطريقين ؛ أحدهما : دلالة المطابقة اللفظية لعموم النص الشرعي ، فالنهي عن أكل الأموال بالباطل عام ؛ ونظام تداول الأسهم بل سائر عمليات التداول في البورصات بأنواعها إنما هي فروع وتطبيقات معاصرة تدخل بالدلالة المباشرة تحت عموم النهي عن الباطل ؛ وتكون من أفراد النهي العام ، والثاني : تعدية علة الحكم المنصوص لأفراد الحادثة التي اتحدت معه في نفس العلة ، وكلا الطريقين متحقق في صورة " تداول الأسهم " ، بل وفي سائر صور وتطبيقات أنظمة" التداول " في البورصات العالمية بأنواعها ، وإثبات ذلك كله على سبيل التفصيل يأتي في الدراسة المطولة .

 

ثانيا : أثر " بيع الصكاك " في صحيح مسلم :

أخرج مسلم في صحيحه [7] أن صُكُوكًا خَرَجَتْ لِلنَّاسِ فِي زَمَن مَرْوَان بِطَعَامٍ فَتَبَايَعَ النَّاس تِلْكَ الصُّكُوك قَبْل أَنْ يَسْتَوْفُوهَا ، فقال له أبو هريرة : " أحللت بيع الصِّكـاك " ، وفي لفظ  : " أحللت الربا يا مروان " ، كما روى مالك في الموطأ [8] : أن صكوكاً خرجت للناس في زمان مروان بن الحكم من طعام الجار ، فتبايع الناس تلك الصكوك بينهم ؛ قبل أن يستوفوها ، فدخل زيد بن ثابت ورجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على مروان بن الحكم ؛ فقالا : " أتحل بيع الربا يا مروان " ، فقال : أعوذ بالله وما ذلك ، فقالا :  هذه الصكوك تبايعها الناس ؛ ثم باعوها قبل أن يستوفوها ، فبعث مروان بن الحكم الحرسَ يَتَتَبَّعونها ؛ ينزعونها من أيدي الناس يردونها إلى أهلها .

ووجه الاستدلال بأثر " بيع الصكاك " على " حظر تداول الأسهم " يظهر من جهة كونه مطابقا في وصفه العَقْدِي وفي خصائصه الفنية لنظام " تداول الأسهم " في الأسواق المالية المعاصرة ، وبيان ذلك أنه قد اجتمعت في الصورتين خاصيتان هما : الانفكاك مع القابلية للتداول ،أما الخاصية الأولى " الانفكاك والانفصال " فقد تمثلت في ذات " الصكوك " ؛ وهي الوثائق التي تبايعها الناس ، حيث قال الراوي : ( ثم باعوها قبل أن يستوفوها ) ، فحقيقة الصكوك أنها حقوق مجردة مرتبطة بطعام ؛ وقد جرى تبايعها والمتاجرة بها بقصد الربح منفصلة عن الطعام الذي هو أصلها ، والنتيجة أن الطعام بَقِيَ راكدا في مكانه لم يَتَحَرَّك ولم يُقبَض ؛ بينما الناس يتداولون تلك الصكوك ويحققون الربح من جراء المتاجرة فيها في سوقها بينهم بيعا وشراء ، فثبت بذلك الوصف أن الحق المجرد قد انفصل عن الطعام وصار يُتداول بقصد الربح من فروقات الأسعار في الأجل القصير .

وأما الأسهم المعاصرة فإن ما يجري بشأن تداولها في سوقها المالي ( البورصة ) إنما هو مطابق لآلية تداول الصكاك الواردة في الأثر ، فالناس اليوم يتداولون الأسهم بقيمتها السوقية المعلنة في شاشات البورصات ، وهم مجمعون بيقين على الاعتراف بأنها تباين القيمة الدفترية المعلنة في القوائم المالية ، فالانفكاك والانفصال كما تحقق في تداول الصكاك قديما فإنه قد تحقق بذات خصائصه الفنية في تداول الأسهم في العصر الحديث ، وإنما العبرة بالحقائق والمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني ، فإذا اتحدت المعاني والأوصاف فلا عبرة باختلاف المسميات .

والجدير بالملاحظة هنا أن للصكاك المتداولة تعلقا بالطعام المنفصل في بيت المال ، ولكنه تعلق تبعي وغير مقصود أصالة عند المتداولين في الصكاك ، وكذلك الأسهم المتداولة في البورصات المعاصرة لها تعلق جزئي بأصول الشركة المصدرة لها ، ولكنه تعلق تبعي وغير مقصود أصالة عند المتداولين فيها بنسبة تصل إلى ( 100 % ) .

وأما الخاصية الثانية فهي " القابلية للتداول " ، فقد وردت الإشارة إليها في قول الراوي ( هذه الصكوك تبايعها الناس ؛ ثم باعوها قبل أن يستوفوها ) ، وهذا اللفظ دال بوضوح على بداية نشأة سوق مستقل في عرف الناس آنذاك ، حيث تم فيه تداول الحقوق المجردة والمضافة إلى الطعام ، وقد استعمل الراوي حرف ( ثم ) وهو الدال على الترتيب والتراخي حكاية عن انتظام السوق المستقل لتداول الحقوق المجردة بقصد تحقيق الربح من فروقات الأسعار في الأجل القصير .

وأما الأسهم المعاصرة فإن خاصية " القابلية للتداول " أصيلة وراسخة فيها ، بل هي من قبيل النظام العام في جميع القوانين الوضعية المعاصرة ، ومعنى ذلك أن أي شرط يُلْغِي اعتبار هذه الخاصية ـ ولو اتفق عليه الأطراف ـ فهو باطل ولا عبرة به قانونا ؛ لوقوعه مخالفا لقاعدة آمرة يمثلها النظام العام ، وبهذا يتبين أن خاصية " القابلية للتداول " كما تحققت في نظام المتاجرة بالصكاك قديما فإنها قد تحققت بعينها في نظام تداول الأسهم في البورصات المعاصرة ، ولذلك أدرك الصحابة بعميق فقههم أن صورة " بيع الصكاك " من البيوع المحرمة لتحقق علة الباطل فيها ، ولكونها تشبه الربا في حقيقتها ومآلها ، فهي معاملة تقوم على قصد الربح من شراء الحق المجرد وإعادة بيعه ، والحق فيها منفصل يتم بيعه بمعزل عن أصله الذي نشأ عنه ؛ وهو الطعام .

وتأسيسا على هذا الفقه العميق فقد نهض كبار علماء الصحابة ، منهم : أبوهريرة وزيد بن ثابت وابن عباس وغيرهم ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ ؛ فأنكروا هذه المعاملة على ولي الأمر ؛ حتى قالوا لأميرهم " أحللت بيع الصكاك " ؛ فدل قولهم هذا على أن الأصل المستقر عندهم ـ ذهنا وواقعا ـ أن بيع الصكاك وفق آليته الحقوقية المجردة محرم في أصله ؛ بدليل قولهم " أحللت " ، والتحليل لا يكون إلا لما أصله التحريم ، فأجابهم الأمير مروان بن الحكم بأمر الجند بإنكار ذلك باليد ، فكان في ذلك قضاءٌ على نبتة الباطل في مهدها وَوَأْدٌ لنموذج التداول المالي في مبدئه ، وهذا هو الواجب المتعين على الفقهاء أن ينهضوا لإنكار البورصات المعاصرة وإبطال نموذج التداول في الحقوق والالتزامات المجردة لاقتضائها الربا حقيقة وواقعا ، والمقصود أن هذا دليل أثري ظاهر الدلالة على حظر آلية تداول الحقوق إذا انفصلت وتجردت عن أصولها العينية ، وليست الأسهم المتداولة في البورصات المعاصرة إلا كذلك ؛ حقيقة ومعنى ومقصدا .

فإن قيل : الأثر في بيع الصكاك مختص بالطعام لا غير ؛ فلا يتعداه إلى غيره من الأعيان ،فالجواب من خمسة وجوه : أولها : إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وثانيها : إن إعمال الكلام أولى من إهماله ، وثالثها : إن هذا التوهم أبطله ابنُ عباس نَفْسُه بقوله : ( ولا أحسب كل شيء إلا مثله ) ، ولا ريب أن فَهْمَهُ وتأويلَه ـ رضي الله عنه ـ حجةٌ راجحةٌ على فَهْمِ من بعده من الخلف ، كيف وهو حبر الأمة وترجمانها ؛ بل خَصَّهُ الرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله : " اللهم فقه في الدين وعلمه الكتاب والحكمة والتأويل " [9] ، ورابعها : إن صريح العقل وصحيح النظر يقضيان بتعميم الحكم بالحظر على ما ماثل الطعام من الأعيان ؛ إذ لا فرق في الوصف والمعنى والأثر فلا فرق في الحكم ، وخامسها : إن استدلال الصحابة بالربا في سياق إنكار بيع الصكاك دال بالقطع على التعميم ، لأن الربا لا يختص بالطعام ، كما أن التداول في الواقعة لم يكن مقايضة بين الطعام ، والمعنى : إن كل حق تجرد بالانفكاك عن أصله العيني ـ قديما أو حديثا ـ ؛ حتى صار يُتَّجَر فيه منفصلا عنه فإنه يجري فيه حكم الحظر شرعا ؛ سواء أكان طعاما أو غيره .

 

ثالثا : إجماع الصحابة على حظر آلية " بيع الصكاك " :

إن ما وصفناه من إنكار الصحابة لآلية " بيع الصكاك " ، وامتثال ولي الأمر لهم بإصدار قراره بمنع تداولها ، وتنفيذ الجند الأمر العلني العام جبرا على المتداولين ، إن في ذلك دلالة قاطعة على تحقق الإجماع العلني على حظر هذه الآلية زمن الصحابة والتابعين ـ رضي الله عنهم ـ أجمعين ، ولم يُعْرَف لهم في إجماعهم مخالف ؛ على رغم اشتهار المعاملة وظهورها بين الناس وشيوع إنكارها العلني من قبل الجند ، فكان بذلك إجماع صحيح معتبر ؛ يكون مثله حجة راجحة في فقه الإجماع عند الأصوليين .

وتطبيق إجماع الصحابة على مسألة " تداول الأسهم " ظاهر ، فإنهم أجمعوا على حظر آلية " بيع الصكاك " ، وحقيقتها المتاجرة بالحقوق والالتزامات المجردة ؛ حيث كان للحق سعر وسوق مضاربي منفصل عن سعر أصله وسوقه ، وليست بورصات الأسهم المعاصرة إلا مثلها حقيقة ومعنى وأثرا ؛ فإذا أجمع الصحابة على مسألة تتطابق في معناها مع مسألة معاصرة فإن الاستدلال بالإجماع ينهض صحيحا مرجحا في تعدية حكم الأصل للفرع الحادث ، فينتج بمقتضى هذا الإجماع الصحيح المعتبر حظر نظام " تداول الأسهم " بالقياس الجلي على " بيع الصكاك " [10] .

 

رابعا : قاعدة حظر { الربا } في الشريعة الإسلامية :

إن الربا الجلي أو ربا القرآن هو ربا الأثمان ؛ وضابطه : " الزيادة المشروطة على أصل القرض أو الدين نظير الزمن " ، وعلته : " الإخلال بعدالة الثمن " ، ولقد استدل الصحابة بدليل الربا على حظر " بيع الصكاك " فقالوا للأمير : " أحللت الربا يا مروان " ، وفي لفظ آخر " أتحل الربا يا مروان " ، فدل وصفهم لعملية " بيع الصكاك " بأنها من " الربا " على أن الأصل المستقر عندهم أن بيع الصكاك يفضي إلى الربا بالضرورة العقلية .

ووجه كون " بيع الصكاك " من قبيل الربا أن الجامع بينهما هو " التربح من تداول الالتزامات الدائنية " ،  فإذا كان الربا تربح من التزام دائني أساسه " الأثمان " ، فإن بيع الصكاك تربح من التزام دائني أساسه " المثمنات " ، حيث إن حامل الصك دائن وبيت المال المصدِر للصك مدين بالطعام ، فبات مدار الصورتين على فكرة " الالتزام الدائني " ؛ فإذا صار هذا الالتزام الدائني محلا للتربح والمتاجرة فيه لذاته فهو من أظهر صور الربا المحرم إجماعا ، وقد فسَّر ابن عباس وجه الربا في جوابه عن سؤال تلميذه طاوس فقال : ( ألا تراهم يتبايعون بالذهب والطعام مرجأ ) [11]، وفي رواية ( ذاك دراهم بدراهم والطعام مرجأ ) [12] .

وإذا طبقنا فكرة " الالتزام الدائني " على الأسهم المعاصرة وجدناها ماثلة ومتحققة ، فإن حامل السهم إنما يملك حقوقا مجردة منفصلة عن أصول الشركة ، وهذه الحقوق تمثل التزامات دائنية على الشركة بالحقوق المجردة بينما حامل السهم دائن بنفس تلك الالتزامات ، فإذا خضعت تلك الالتزامات الدائنية للمتاجرة والتداول الربحي فإنما ذلك هو عين الربا المحرم في الشريعة الإسلامية .

ويؤيد ذلك من المنظور المقاصدي ؛ أن آلية " بيع الصكاك " تتفق مع آلية " تداول الأسهم " ، وهما متفقان أيضا مع آلية " الربا " في أن جميعها آليات عقدية يتحقق فيها الربح دون أن يكون للسلع والخدمات في الاقتصاد أي أثر إيجابي ؛ مما يفضي إلى تعطيل حركة المثمنات ، ومن ثم الإضرار بالاقتصاد والمجتمع .

وقد أسلفنا أن وصف العلاقة في كل من حامل الصك ( قديما ) وحامل السهم ( حديثا ) بأنها "علاقة دائنية " يمثل المذهب الأقوى والأرجح في فقه القوانين المالية المعاصرة ، بل هو مذهب المحققين من فقهاء القانون ، وهو الأكثر اتساقا وتماشيا مع الأصول والقواعد العامة في كل من القانونين المدني والتجاري ، بل إنك لتعجب من توافق هذا الرأي القانوني الراجح في العصر الحديث مع اتجاه فقه الصحابة والسلف قديما في موقفهم من " بيع الصكاك " ؛ حتى إنهم وصفوا المعاملة صراحة بأنها " ربا " ؛ لأنها عبارة عن مبادلة دراهم بدراهم أعلى لأجل ، وليس ذلك إلا المتاجرة بالديون ؛ بدليل انتفاء وجود الأساس العيني الحقيقي ممثلا بالسلع والمنافع .

 

خامسا : قاعدة حظر { الميسر } في الشريعة الإسلامية :

يعتبر " الميسر " من الأصول التحريمية في المعاملات المالية بنص الكتاب العزيز [13] ، وضابطه :        " المعاوضة على الاحتمال " أو " بيع الحظ " ، فالميسر معاوضة ترد على معقود عليه متردد في أصله     بين الوجود والعدم ، وهنا يكون خطر الوجود مستحكما في المعاوضة وأصيلا فيها ، ووجه الاستدلال بقاعدة الميسر على " حظر تداول الأسهم " ظاهر ، فإن المضاربين ـ وهو يشكلون أكثر من ( 97% ) من المتداولين يوميا في البورصات ـ إنما مقصودهم من التعاقد" المعاوضة على الحظ والاحتمال " ، ذلك أن من يشتري السهم بقيمته السوقية إنما يبذل المال ( الثمن ) طلبا للحصول على الربح المقصود من إعادة البيع ( المثمن ) ، فأصبح الربح المقصود من إعادة البيع هو عين المثمن المقصود في المعاوضة ، وهو متردد بين الوجود والعدم ، وهذا معيار الميسر وصفته العقدية ، فقد يتحقق الربح من إعادة البيع وقد لا يتحقق ؛ فيكون المضارب بالسهم متلبسا بقاعدة " الميسر " والتي تقوم على فكرة الحظ والاحتمال ، مما يجعل التداول المضاربي محرما شرعا لاشتماله على معنى الميسر ، وهكذا سائر عمليات التداول المضاربي للأسهم وغيرها في البورصات كافة ، فظهر بذلك أن محل العقد المقصود أصالة هو الربح المحتمل نتيجة إعادة البيع ، وهو مقصود احتمالي قائم على خطر الحظ ، وهو متردد بين الوجود والعدم ، وهذا عين الميسر الذي حظره القرآن الكريم .

فإن قيل أولا : المتاجرة بالأسهم إنما هي كالمتاجرة بسائر الأعيان من السلع والخدمات ، فإن قيل بحظر ربح التجارة بالأسهم بدليل الميسر ؛ فإن ذلك يلزم منه حظر ربح التجارة بسائر الأعيان ؛ ضرورة كون الربح من إعادة بيعها جميعا احتماليا مقصودا ومترددا بين الوجود والعدم ، لكن القرآن الكريم صرح بإباحة عموم التجارة ، وليست المتاجرة بالأسهم إلا مثل المتاجرة بالأعيان ، فلزم أن يكون حكمهما الإباحة شرعا .

فالجواب : إن القاعدة الفقهية تقضي بأن الخطر خطران ؛ أصلي وتبعي ، فالخطر إذا كان متمحضا في المحل المعقود عليه وكان مقصودا أصالة في المعاوضة عليه فإن حكم العقد حينئذ هو الحظر شرعا ؛ عملا بآية حظر الميسر ، وهو حقيقة " تداول الأسهم " بقيمتها السوقية في الأجل القصير ، فإن غرض المتداول ومقصوده الأعظم هو الدخول في مخاطرة جني الأرباح من فروقات الأسعار ، وهذا خطر احتمالي وهو مقصود أصلي متردد بين الوجود والعدم فيحرم شرعا لتلبسه بالميسر ، وأما إذا كانت المعاوضة واردة أصالة على عين ذات منفعة حقيقية موجودة ومقصودة ، ثم كان الخطر يسيرا وتابعا للمنافع الموجودة حقيقة فإن الخطر يُغتفر حينئذ لأنه قليل تابع وليس مقصودا أصالة ، فيكون حكم المعاملة حينئذ هو الإباحة شرعا ؛ عملا بآية إباحة البيع ، وهو واقع المتاجرة بسائر الأعيان بقصد الربح ، فإن المعاوضات فيها تقع على منافع مقصودة أصالة لمشتريها ؛ وهي موجودة وحقيقية ، وأما خطر الربح المحتمل فهو تابع للمنافع المقصودة ومغتفر فيها ، إذ لا تنفك عن مثله البياعات غالبا ، وخلاصة القاعدة أن " الخطر يجوز الاعتياض عنه تبعا لا استقلالا " ، ودليلها فقه الجمع بين آية { أحل الله البيع وحرم الربا } [14] وآية الميسر [15] .

فإن قيل ثانيا : إن تداول الأسهم على سبيل الاستثمار في الأجل الطويل ليس من الميسر المحرم ، لأن غرض المشتري ( المستثمر ) قد تعلق بالعائد التشغيلي الفعلي للشركة دون الربح المضاربي في الأجل القصير ، فخرج بذلك من الميسر الحرام إلى التجارة الحلال .

فالجواب : قد نتصور وجاهة هذا الاعتراض حال كون المستثمرين في الأجل الطويل يشكلون نسبة عالية أو مؤثرة في البورصات ، بينما الواقع أن البورصات لم توضع إلا للمضاربات ولجموع المضاربين ، ودليل ذلك أن المستثمرين ـ قاصدي العوائد السنوية في الأجل الطويل ـ لا يتجاوزون في أحسن أحوالهم ( 3 % ) من حجم عمليات التداول اليومي في زمن الانتعاش ، ثم حتى هذه النسبة الضئيلة لا تلبث أن تتلاشى تماما زمن الأزمات ؛ فيتحول سوق الأوراق المالية إلى مضاربات ومجازفات الميسر بنسبة ( 100 % ) ، وهنا تنعدم فئة المستثمرين في الأجل الطويل كما هو معلوم من حال الأسواق المالية بعد الأزمة العالمية 2008م وحتى يومنا هذا ، وبالمحصلة فإن الميسر لازم عملي لمضاربات الأسواق المالية ، بل لا تنفك عنه البورصات بجميع أنواعها ، وعليه فإن السوق الذي يتسلط الميسر على عملياته بنسبة ( 97- 100 % ) لا يحل القول بإباحته شرعا .

 

سادسا : قاعدة حظر { الغرر } في الشريعة الإسلامية :

لقد دلنا حديث " نهى عن بيع الغرر " [16] على أن " الغرر " من أصول الحظر المالي في الشريعة الإسلامية ، وضابطه : " الجهل الكثير الداخل أصالة على المقصود في المعاوضات المالية بلا حاجة " ، وصورته : إبرام عقد المعاوضة مع غياب الإفصاح الكافي عن المواصفات الجوهرية في المعقود عليه ؛ حتى ربما عقد العاقد على السلعة أو المنفعة وهو يعلم غلبة الجهالة على المواصفات الجوهرية للمعقود عليه ، وهذه معاملة تحظرها الشريعة الإسلامية لقيامها على خطر الجهالة في الصفات ، والجهالة المؤثرة في المعاوضات مدخل للتنازع والاختلاف غالبا ، فالواجب أن يتم الإفصاح التام عن المواصفات الجوهرية للمعقود عليه ، وهو نفس " شرط المعلومية " في المعاوضات المالية .

وتطبيق دليل " الغرر " على " تداول الأسهم " يتضح من كون محل العقد في السهم المتداول بقيمته السوقية لا يمثل الأصول الحقيقية للشركة ، وإنما يتم تبايع الأسهم بوصفها حقوقا مجردة تقوم على أساس مضاربي مستقل ، فلا يلتفت معه إلى أصول الشركة ولا موجوداتها التشغيلية في الواقع ، وبذلك يتضح أن المحل المعقود عليه في تداول السهم مبناه على الحق المجرد بقيمته السوقية ؛ فلا يعلم المشتري ما الذي يقابله السهم على الحقيقة في أصول الشركة وموجوداتها التشغيلية وفق قيمتها الدفترية ، ولا ريب أن غياب العلم بماهية المعقود عليه موجب للجهالة والغرر الذي يفسد العقد ويجعله محرما شرعا .

ومثال ذلك : لو أن سعر السهم السوقي أربعة دنانير ( مثلا ) بينما تقويمه الدفتري يعادل نصف دينار ، فإن من يشتري السهم بقيمته السوقية ( 4 ) يدرك يقينا أن تقويم أصوله الحقيقية ( الدفترية ) دون ذلك بكثير ، ولكنه لا يلتفت لذلك أصلا ؛ لأن قصده إنما تمحض بقصد الربح المضاربي من إعادة البيع ، فصارت الأعيان والحقائق التشغيلية للشركات ليست مقصودة ؛ بل شبه مستحيلة في زحمة المضاربات السعرية العاجلة ، وبذلك تصبح سنة المتعاملين في البورصات أنهم يعرفون عن الأسهم أكثر مما يعرفون عن الشركات ذاتها .

وبذلك يُعلم أن الغرر ( الجهالة ) في نظام تداول الأسهم مقصود أصالة في العقد ، بل هو وصف ملازم لا ينفك عن الأسهم الحقوقية المجردة والتي يتم تداولها بقيمتها السوقية ، وعلى هذا يكون نظام " تداول الأسهم " من التطبيقات المالية لبيوع الغرر في العصر الحديث ، فينتج عن ذلك أن حكم " تداول الأسهم " محظور شرعا إعمالا لدليل الغرر في الشريعة الإسلامية ، بل إننا نقول وبحق إن السوق الذي يسوده في جميع عملياته الغرر الفاحش لا يحل القول بإباحته شرعا ، حتى لقد أدرك هذا المعنى الدقيق الخبير الاقتصادي الإسلامي د. إبراهيم تاج الدين فقال بحق : ( إن مقدار الغرر في بيوع الأسهم والأوراق المالية ليس يسيرا ؛   مما يدل على الحاجة إلى إعادة النظر في مبدأ السوق المالي المفتوح ) [17] .

 

سابعا : قاعدة " حظر بيع المبيع قبل قبضه وبيع ما ليس عندك " :

وهذه قاعدة جليلة من قواعد الحظر المالي في الشريعة الإسلامية ، بل عليها تدور عامة المحظورات المالية المتعلقة بالمثمنات قديما وحديثا ، وأصلها حديث حكيم بن حزام : " لا تبيعن شيئا حتى تقبضه " [18] ، وفي لفظ : " لا تبع ما ليس عندك " [19] ، وضابط معنى الحديث : لا تَبِعْ شيئا إلا إذا توافر لك فيه الملك التام ؛ وذلك باجتماع الحق والعين معاً ، فإذا اختل هذا الأساس العقدي المركب ؛ بأن انتفى في البيع  الأَمْرَيْن معاً ( حالة انعدام الملكية مطلقا ) ، أو وقع البيع على عنصر الحق المجرد فقط مع انتفاء العين ذاتها ( حالة الملكية الناقصة أو غير التامة ) ، فهاتان الصورتان لا يحل عقد البيع حال تلبسه بأي منهما ، والسبب أنه بيعٌ لشيء لم يصح تملكه ملكا حقيقيا تاما ، وعلى هذا فمن باع شيئا قبل أن يقبضه ويتم عليه ملكه فقد ارتكب مخالفة شرعية ؛ حيث إنه لا يخلو ؛ إما أن يكون قد باع شيئا لم يشتره أصلا بالكلية ، أو يكون قد باع حقا مجردا دون أن يتملك عينه ومنفعته ، وكلاهما غير جائز شرعا لدخولهما تحت عموم " لا تبيعن شيئا حتى تقبضه ولا تبع ما ليس عندك " .

وأما وجه الاستدلال على " حظر تداول الأسهم " : فإن من ملك سهما فقد ملك الحق المجرد دون أصله العيني ، فيكون ملكه لأصول السهم وموجوداته من قبيل الملك الناقص وغير التام ، والتصرف فيما كان ملكا ناقصا محرم شرعا لرجحان خطره من جهة وجوده ؛ أشبه الميسر ، ومن جهة أخرى فإن الحديث اشترط القبض بقوله " حتى يقبضه " ، يدل لذلك أن مبدأ " القبض " في أصله ليس متحققا في الواقع العملي لتداول الأسهم في البورصات ، وذلك ضرورة أن حقوق السهم مشاعة وغير معينة في موضوعاتها ولا في أصول الشركة وموجوداتها ، فثبت بذلك أن " تداول الأسهم " محظور شرعا ؛ لدخوله تحت عموم النهي في الحديثين .

فإن قيل : حديث النهي عن بيع المبيع قبل قبضه مختص بالطعام دون غيره من الأعيان ؛ كما تدل عليه بعض الروايات ، فالجواب : إن التصريح بالطعام من قبيل تخصيص الذكر دون تخصيص الحكم ، وتخصيص الذكر مفيد ومناسب لظروف الواقعة ، وإلا فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، ويدل لذلك ورود الحديثين بألفاظ العموم ، ففي قوله ( شيئا ) في الحديث الأول نكرة ، والنكرة في سياق النهي تدل على إرادة العموم ، ومثله الاسم الموصول ( ما ) في الحديث الثاني ، فإن الأسماء الموصولة من أدوات العموم أيضا ، فدل العموم بأدواته الصريحة على أن النهي في الحديث يشمل بالنص الطعام وغيره ؛ لاسيما وأن قوله ( شيئا ) ظاهر في استغراقه لكل شيء ؛ طعاما كان أو غيره ، ويعضد ذلك تقرير ابن عباس بقوله في " بيع الصكاك " : ( ولا أحسب كل شيء إلا مثله  ) ؛ أي مثل الطعام في الحظر إذا تجرد الحق فيه عن أصله .

 

ثامنا : قاعدة النهي عن " ربح ما لم يُضمن " :

وأصلها حديث " نهي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن ربح ما لم يضمن " [20]  ، وضابطها" النهي عن بيع المبيع قبل التمكن من قبضه ودخوله في ضمان مشتريه حتى يتحمل خطره " ،وأمارة الضمان قانونا تحمل الأخطار واقعا ، وعلى هذا فكل معاوضة مالية لم يتحقق فيها ضمان المشتري بالقبض للمحل المعقود عليه لم يجز له التربح منه ، والسبب أنه ليس مالكا للسلعة ملكا حقيقيا ، بل ملكيته ناقصة بسبب انتفاء الضمان عن ذمته ؛ فلا يتحمل خطر السلعة فانتفى موجب الربح ، وسر ذلك : أن التصرف الربحي في المعقود عليه مُعَلَّقٌ على خَطَر التَّرَدّد بين الحيازة بالقبض من عدمها ، والشريعة إنما تبني العقود على الضبط والاستقرار ، فلا يجوز للمشتري بيع ما اشتراه قبل التمكن من القبض وتحقق ضمانه فيه ، وينتج عن الضمان أن يتحمل المشتري كامل مخاطر السلعة ؛ من تعيب أو تلف أو هلاك فضلا عن الربح أو الخسارة عند تصريفها .

وإن حديث " النهي عن ربح ما لم يضمن " يدل دلالة ظاهرة على " حظر تداول الأسهم " ،وبيان ذلك : أن من يتداول الأسهم في الأسواق المالية إنما يتداول الحقوق المجردة التي انفكت عن أصولها وأعيانها ، فكيف لمشتري الحق المجرد أن يطلب الربح من بيع السهم ؛ وهو لم يقبض موضوعه ولم يتحمل تبعة أخطار أصله العيني ، ذلك أن الحق المجرد شيء وأصل الحق ممثلا بأصول الشركة وموجوداتها شيء آخر منفصل عنه ؛ كيف إذا علمنا أن عامة المتداولين لا يعلم ماهية ما اشتراه ولا ما باعه أصلا ، فأصبحت ملكية السهم ملكية حقوقية مجردة ، فهي ملكية ناقصة وليست تامة ، ويتردد الضمان فيها بين النفي والإثبات ، فتدخل تحت عموم قاعدة " حظر الربح مما لم يضمن " .

 

تاسعا : قاعدة النهي عن بيع المغانم حتى تُقْسَم :

المغانم جمع غنيمة ، وهي ما يحصل عليه الجندي المسلم من جهاد الأعداء ، وأصلها حديث نبوي بنصها [21] ، وعند الدارمي بلفظ " نهى أن تباع السِّهام حتى تُقسَم " [22] ، ومدار الحديث على مبدأ " تحقق الملكية التامة " ، فقد أفاد الحديث : أن من استحق نصيبا من الغنيمة لم يحل له بيع نصيبه منها قبل الإفراز والقبض الحقيقي ، والذي به تتمايز الحقوق والملكيات فعليا في الواقع ومن ثم تصح التصرفات معاوضة عليها ، ومدار الحديث على مبدأ " تحقق الملكية التامة " ، فإذا كانت الملكية ناقصة وغير تامة فلا يحل للمسلم بيعها قبل تحقق الملكية للحصة من الغنيمة ، وقبل تمام دخولها في ضمانه عرفا .

كما بين الحديث أن عرف الإفراز والقبض في الغنائم إنما يكون بأداة " القسمة " لقوله " حتى تقسم " ، فإنها وسيلة نفي الغرر والجهالة وتحقق الملك التام وحصول الضمان لصاحبها ، فمن باع حصته في الغنيمة قبل الفرز والقبض بطريق القسمة فقد تلبس بمخالفة شرعية دل عليها عموم النهي بنص الحديث ، إذ كيف يبيع الحق المجرد الذي لا يملكه ، وهو نصيب احتمالي قائم على خطر التردد بين الحصول والعدم .

وأما وجه تطبيق قاعدة النهي عن بيع المغانم حتى تُقْسَم على " حظر تداول الأسهم " فبيانه أن الأسهم تمثل حصصا مشاعة لملكيات حقوقية غير متعينة في أصول معينة ، ويجري تقويمها مضاربيا منفصلة عن أصول الشركة وموجوداتها التشغيلية في الواقع ، فالشيوع في ملكية السهم مع الانفكاك والانفصال يشبه حكم شيوع ملكية الغازي في الغنيمة ، فيحرم في الحالتين البيع بلا تمييز وقبض معتبر عرفا ، وبذلك يظهر لنا بجلاء قوة الاستدلال بالحديث الوارد في النهي عن بيع المغانم حتى تُقسم على حظر تداول الأسهم شراء وبيعا دونما إفراز حقيقي أو تحقق قبض لما تمثله تلك الأسهم المضاربية من إجمالي الأصول الحقيقية للشركة ، وهذا يُرجِعُنا إلى أساس القيمة الدفترية بخلاف ما يتم التبايع عليه في البورصات من القيمة السوقية .

 

عاشرا : قاعدة النهي عن بيع الصدقاتِ حتى تُقْبَض :

وأصلها حديث بنصها [23] ، وقد أفاد أن من استحق صدقَةً لم يَجُز له بيعها قبل قبضها وتمكنه من حيازتها ، ومدار الحديث على مبدأ " تحقق الملكية التامة " ، فإذا كانت الملكية في الصدقة ناقصة وغير تامة فلا يحل لمن تُصُدِّقَ عليه بها بيعُها ـ وإن استحقها شرعا ـ قبل تحقق ملكيته عليها ودخولها في ضمانه عرفا .

وقد أبان الحديث أن عرف الإفراز والتمييز والقبض في الصدقات إنما يتحقق بأداة " القبض "الفعلي لقوله ( حتى تُقبض ) ، وهذا يشمل القبض الحقيقي بالحيازة أو القبض الحكمي بالتمكن منها ، فإنها الوسيلة الشرعية النافية للغرر والجهالة حال قصد مستحقها أن يبيعها ، وعلى هذا فمن باع الصدقة المعلومة والمعينة له قبل قبضها فقد تلبس بمخالفة شرعية طبقا لنص الحديث ، إذ كيف يبيع حقا لم يتحقق ملك موضوعه وإن كان مستحقا بالنظر ومعلوما بالقدر ؟ وهو نصيب احتمالي قائم على خطر التردد بين الحصول والعدم ، والخطاب بالنهي عام يشمل المتصَدَّقَ عليهم كما يشمل غيرهم من المتعاملين معهم فيها بالشراء قبل القبض .

كما دل مفهوم الحديث على أنه يجوز شرعا لمستحق الصدقة بيعها والتصرف بها مطلقا بشرط القبض ؛ حقيقيا كان القبض أو حُكميا ، فلو قبض الفقيرُ السيارةَ التي تُصُدِّق بها عليه ؛ قبضا حقيقيا بالحيازة والإفراز وفق العرف القانوني المعتبر ؛ حتى تدخل في ضمانه ويتحمل أخطارها فإنه يجوز له حينئذ بيعها طبقا لمفهوم المخالفة في الحديث ، ومثل ذلك لو أن المالك المتصدِّق نقل ملكية السيارة باسم الفقير ومكنه من قبضها ؛ ولما يقبضها الفقر بَعْدُ بالحيازة والركوب فإنه يجوز للفقير أيضا التصرف فيها بالبيع ونحوه ، والسبب أنه قد ملكها بالقبض الحكمي ( القانوني ) ، والقبض الحكمي علامة تمام الملك والضمان عرفا ، وعلى هذا فإن القبض الحكمي يتطابق أثره مع القبض الحقيقي ؛ فصح ترتب التصرفات عليهما وجاز البيع بعد تحققهما .

وتتبين دلالة القاعدة على " حظر تداول الأسهم " من جهة أن الصدقة المستحقة للفقير بلا قبض تعطيه حقا معلقا ومنفصلا عن عين الصدقة ، فكذلك السهم يعطي صاحبه حقوقا منفصلة عن أعيان الأصول التشغيلية الحقيقية للشركة ، فإذا لم يجز بالنص الشرعي بيع الصدقة قبل قبض عينها وتمييز محتواها فكذلك لا يجوز بيع السهم قبل قبض أصله وتمييز محتواه العيني على أساس القيمة الدفترية ، وكما أن القبض أداة تحقيق العلم النافي للجهالة في بيع الصدقة فكذلك القبض بعد التقويم الحقيقي لأصول الشركة ( التنضيض ) هو الشرط اللازم لنفي الجهالة وتحقيق المعلومية في بيع الحصص من الشركة .

 

الحادي عشر : قاعدة " سد الذرائع واعتبار المآلات " في فقه المقاصد الشرعية :

إن هذا الدليل وإن لم يكن نصا شرعيا على غرار الأدلة العشرة قبله إلا أنه دليل مقاصدي ، والعمل بالمقاصد حجة راجحة لاستنادها إلى معاني النصوص السمعية وأحكامها الشرعية المتكاثرة ، فهو حجة مُقدَّمَة على مجرد العمل بقاعدة الأصل الإباحة ، ومقصد " حفظ المال " من المقاصد الكلية الكبرى في الشريعة الإسلامية ، ومفهومه أن الشارع الحكيم قصد بتشريعاته إلى إيجاد المال وصونه عما يخل به ، وضابط مقصد الشريعة من " حفظ الأموال " هو : " إن كل وسيلة تبعث المال وتصلحه وتنميه فهي مشروعة ، وكل وسيلة تذهب المال وتفسده وتلحق الضرر به فهي ممنوعة ".

وأما قاعدة " سد الذرائع " فتعني " حظر ما ظاهره الإباحة إذا كان وسيلة إلى مفسدة راجحة " ، فاقتضت حكمة التشريع الإسلامي أن يُحكم على الوسيلة الجزئية الصحيحة بالمنع والحظر إذا كانت تفضي إلى مفسدة كلية قطعية ، وهذا أمر مجمع عليه ، وأمثلته في المعاملات المالية كثيرة ؛منها : حظر الربا والميسر والخمر لرجحان مفاسدها الكلية مع أن فيها منافع جزئية ، فألغت الشريعة المصالح الجزئية حفظا للمجتمع من المفاسد الكلية الراجحة ، وبهذا ندرك القاعدة المقاصدية الكبرى في المعاملات المالية وهي : أن الحظر والإباحة مدارهما على تحقيق المصالح ونفي المفاسد برتبتيها الجزئية والكلية معاً ، فإذا تحققت الرتبتان جازت المعاملة وصَحَّ أثَرُها ، وإلا مُنِعَت وبَطَل أثَرُها .

وتطبيق قاعدة " سد الذرائع " واعتبار المآلات على " تداول الأسهم " في الأسواق المالية ظاهر بجلاء ، فأضرار البورصات ومفاسدها مشهودة ومعلومة في أدق تفاصيلها ، بل وهي موثقة ومرقومة في تعاقبها تاريخيا وإفساديا على مدى القرن الماضي كله ، بل إن ضرورة العقل السليم تقضي بأن من لازم تفاقم فقاعات الوهم السعري وتمددها في الأسواق المالية أنها ستبلغ مداها الأقصى ثم ترتد بالانفجار لتخلف وراءها الانهيار والدمار الذي يوجب تضييع الأموال وقتل الثروات ، فاقتضى ذلك أن الأسواق المالية تُعَرِّضُ الثروات والمدخرات في كل لحظة من نموها إلى خطر الانهيار والضياع ، وهو ما أصطلح عليه بشعار " البورصات مقبرة الثروات " .

وإن من أعظم المفاسد الكلية للبورصات أنها تسلب الاقتصاد روحه وطاقته التي هي النقود والأثمان لتقذف بها في صناعة فقاعات وهمية فارغة ؛ وهي لا تكاد تستند إلى أي نفع اقتصادي حقيقي ؛ لا على مستوى حركة السلع والخدمات بالتجارة ولا على مستوى التشغيل والإنتاج وتوظيف الموارد ، بل على العكس من ذلك فإن نمو البورصات يعني بالضرورة العقلية والاقتصادية تعزيز البطالة وتحفيز التضخم وتراجع العمل والإنتاج وتدني الصادرات وزيادة الواردات ، إلى غير ذلك من الأضرار والمفاسد الاقتصادية الكلية .

فهذه ضرورة عقلية يشهد بها صحيح النظر العقلي وتُصَدِّقُها الوقائع والأزمات المتعاقبة للأسواق المالية ، وهذا المعنى الإعجازي نبهت عليه الآية الكريمة : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا  } [24] ، فمن تأمل عطف ( ولا تقتلوا أنفسكم ) على ( تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) أدرك من حِكَمِ التأويل وأسرار التنزيل ما تحار في روعته وجلالته العقول .

وإذا كان علماء الأمة أجمعوا على وجوب سد الذرائع فيما كان أداؤه إلى المفسدة قطعيا ، فلا ريب أن تداول الأسهم في الأسواق المالية يستلزم الحظر والتحريم شرعا ، لا سيما وأن مآل الأسواق المالية لا بد وأن يصير إلى انهيار في القيم السوقية المصطنعة للأسهم ، كيف والبورصات إنما هي مقبرة للثروات ومضيعة للأموال ومجلبة للقعود عن العمل والكسل عن الإنتاج ، فكم قتلت الأسواق المالية من طاقات بشرية وثروات نقدية عطلتها ؛ فلا هي وظفتها في التجارة ولا في الإنتاج الحقيقيين ، ولا هي أبقت عليها سالمة على حالها ، وأقبح من ذلك أنك ترى مالك الأسهم المنهارة متعلقا بها لسنين طويلة ؛ فلا هو القادر على بيعها ولا هو الذي ينتفع بقيمتها التي اشتراها بها ، فيظل يرقبها ويتحسر عليها لسنوات طويلة ؛ فتراه معلقا قلبه باحتمالات صعود الأسعار المضاربية رجاء أن يتمكن من إعادة البيع والخروج برأس ماله ، حتى إذا ارتفعت الأسعار زُيِّن له المواصلة في تعطيلها بالسلوك المضاربي ، وهكذا لا يزال الشيطان يتلاعب بالمضاربين في الأسواق المالية على نحو من السفه العام الذي تحار في تصوره العقلاء .

بل حتى لو سلمنا بأن الأصل في تداول الأسهم الإباحة فإن هذا الأصل يجب أن يخضع لمآلاته الكلية ؛ عملا بقاعدة " الوسائل لها أحكام المقاصد " ، فيجب شرعا سد الذريعة المفضية إلى الضرر العام ولو كانت الذريعة في أصلها وباعتبار ذاتها مباحة شرعا ، وهو ما اشتهر بين الفقهاء قديما بقاعدة " الوسائل إلى الحرام " ، ومثلوا لها ببيع السلاح في الفتنة وبيع العنب لمن يتخذه خمرا ، ونحو ذلك من الأمثلة التي يتحقق فيها وجوب الحكم بحظر ما كان أصله الإباحة ؛ إذا تعين إفضاؤه إلى المفسدة الراجحة ، ولا ريب أن إباحة العنب في أصله أظهر من إباحة السهم في أصله ، ومع ذلك حظره الفقهاء باعتبار مآله الإفسادي الراجح .

والمقصود أنه في ظل تبصر الفقيه بتلك المآلات القبيحة والمفاسد الكلية العميقة للأسواق المالية فإنه لا يجوز له الركون إلى قاعدة الأصل الإباحة ؛ وإهمال قاعدة " سد الذرائع " واعتبار المآلات من جهة تعلقها بمقصد " حفظ المال " ، كما لا يجوز للاقتصادي المسلم ـ فضلا عن الفقيه ـ أن يُصادِر شهاداتِ العقل والحس وما يعايِنُهُ هو مما يُعانيِهِ العالم من مآثم البورصات ومفاسدها على العامة والخاصة ؛ فيستسلم إلى أهواء إعلامية فارغة تغذيها العولمة الاقتصادية والرأسمالية المعاصرة ، بل وتساندها آلات الاستعمار بوسائلها الثقافية الناعمة ، وعليه فإن المتعين شرعا على المسلم ـ فضلا عن الفقيه الإسلامي المعاصر ـ أن يغلب درء المفسدة العامة فيأرز إلى منع الوسائل المفضية إليها ، ولا سيما في الأموال خاصة .

والمقصود أنه ما دامت هذه هي حقيقة البورصات وتلك هي سيرتها السوداء ؛ قتلا للثروات وإزهاقا للطاقات وتضييعا للأموال التي أمر الله بحفظها وتنميتها وصونها عما يفسدها أو يضر بها فإن مقصد حفظ المال في الشريعة يقضي بحظر هذا السلوك الفوضوي والذي يتسم بالسفاهة العامة في الاقتصاد ، فدل ذلك على حظر " تداول الأسهم " في البورصات قاطبة ، ومن لم يقض نظره بذلك فليتفقه في المقاصد الشرعية وليتدبر فقه الوقائع الاقتصادية ، وليكرر النظر والتفكر والاعتبار كما أمر الله في كتابه بقوله : { فاعتبروا يا أولى الأبصار } [25] ، وليتمثل قول الله تعالى : { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } [26] .

 

الثاني عشر : قاعدة " حظر بيع الحقوق المجردة " في الفقه الإسلامي :

من القواعد المقررة في فقه المعاملات المالية قاعدة " حظر بيع الحقوق المجردة " ،  فالأساس العيني من الأعيان والمنافع هي أصل البيوع ؛ والحقوق تابعة لها ، والحقوق نوعان ؛ حق مقرر في محله ، وحق مجرد عن محله ، أما الحق المقرر في محله فضابطه : ما كان متصلا بأصله ومنافعه العينية ؛ وقيمة الحق تستمد من ذات منافعه ، فمن باع هذا الحق المقرر إنما يكون قد باع تلك المنافع الحقيقية في الواقع ؛ ويأتي تقويم الحق تابعا لها ، فتكون المعاوضة عليه جائزة شرعا ، لأنه من توابع العين والتابع تابع .

والضابطان العمليان في السوق لهذا النوع من الحقوق المقررة ؛ هما : الحيازة العينية والتقويم السعري العيني ، بمعنى أن تكون الأصول والمنافع مقصودة للمشتري ؛ بحيث يقصدها أصالة ويحوزها فعليا ويتعلق بها غَرَضُهُ ، والحق تابع لها ، كما يكون سعر الشراء مقوما على أساس القيمة الفعلية لتلك الأصول والمنافع التي اتصل الحق بها ؛ وليس التقويم مختصا بالحق المجرد استقلالا بذاته ، ومن المنظور المقاصدي فإن هذين الضابطين يحققان الرواج والتداول الحقيقي للاقتصاد ، إلى جانب منع المضاربات السعرية على الحقوق المجردة نظير الزمن ، والتي من شأنها أن تصنع فقاعات وهمية من الأسعار المضاربية الفارغة من النفع الاقتصادي الكلي .

وأما الحق المجرد عن محله فضابطه : ما انفصل عن أصله ومنافعه العينية ؛ حتى تكون قيمتُه تُستمد من ذات الحق ؛ لا من أصوله ومنافعه ، فمن باع هذا الحق المجرد فإنما يقصد المتاجرة فيه لذاته ؛ دون أصوله ومنافعه .

والضابطان العمليان الكاشفان عن الحق المجرد في السوق هما : انتفاء الحيازة العينية وانتفاء التقويم السعري العيني ، بمعنى أن تكون الأصول والمنافع الحقيقية للحق غير مقصودة للمشتري ، بحيث لا يلتفت إليها أصالة ولا يتعلق بها غرضه ولا قصده ، وإنما يتمحض قصده في المتاجرة بالحق المجرد استقلالا بذاته ، وأما التقويم السعري فبأن يكون سعر الحق مقوما لا على أساس المنافع المتصلة به ، وإنما على أساس العائد المضاربي المتوقع من إعادة بيعه مستقبلا ، وهذان الضابطان العمليان يكشفان عن وجود " بيع الحق المجرد " صورة وقصدا ، ومن المنظور المقاصدي فإن آلية المتاجرة بالحقوق المجردة تعطل حركة السلع والخدمات تجارة وإنتاجا في الاقتصاد ، كما تؤجج المضاربات السعرية نظير الزمن ؛ والتي من شأنها أن تصنع فقاعات وهمية من الأسعار المضاربية الفارغة من النفع الاقتصادي الكلي .

ولقد نظر الفقه الإسلامي قديما إلى مسألة " بيع الحق المجرد " نظرةً مَقاصِدِيَّةً واقتِصادِيَّةً مُعَمَّقَة ، فأدرك الفقهاء خطر المآلات الفاسدة على الاقتصاد والتي تترتب على بيع الحقوق المجردة فجاء موقفهم صريحا بحظرها والمنع من تداولها ، حتى استقر ذلك بينهم بصورة قواعد فقهية كلية ، منها : قاعدة " الحقوق المجردة لا يجوز الاعتياض عنها " [27] ، وقاعدة " بيع مجرد الحق باطل " [28]   ، وقاعدة " بيع الحقوق لا يجوز بالانفراد " [29] ، وإن تعدد القواعد وتنوع ألفاظها مع اتحاد دلالتها يوضح لنا مدى وضوح موقف الفقه الإسلامي تجاه مسألة " بيع الحقوق المجردة "[30]  .

والحق إن فكرة " تداول الأسهم " المعاصرة مطابقة لفكرة " تداول الحقوق المجردة " في الفقه الإسلامي ، ذلك أن السهم في حقيقته الراجحة في فقه القانون التجاري عبارة عن " حُقوقٌ مُجَرَّدَةٌ قابِلَةٌ للتَّداوُلِ في سُوقِها " ، فثبت بذلك أن السهم السوقي المعاصر لا يعدو أن يكون " حقا مجردا "معاصرا يتم تداوله بالطرق التجارية بيعا وشراء ، وأمارة ذلك توافر الضابطين السوقيين وهما :انتفاء الحيازة العينية وانتفاء التقويم السعري العيني ، فالأسهم في أصلها إنما تقصد لذواتها الحقوقية المجردة ، وأما الأصول والمنافع الحقيقية للسهم بقيمتها الدفترية فهي غير مقصودة للمشتريين ، بل لا يلتفتون إليها أصالة ولا يتعلق بها غرضهم ولا قصدهم إلا بنسبة لا تتجاوز ( 3% ) في السوق حال نشاطها ، وأما التقويم السعري للأسهم فيتم على أساس القيمة السوقية في البورصة ، وحقيقة ذلك تقويم الحق المجرد لا على أساس أصوله والمنافع المتصلة به ، وإنما على أساس العائد المضاربي المتوقع من إعادة بيعه مستقبلا ، فثبت بتحقق الضابطين السوقيين اتحاد الوصف بين " الحق المجرد " قديما " وتداول الأسهم " حديثا ، فتعين الحكم فيهما بالحظر والتحريم شرعا ، وفي ذلك تطبيق معاصر لصريح القواعد الفقهية المقررة في حظر " بيع الحقوق المجردة " .

ولإثبات أن السهم يستبطن فكرة الحقوق المجردة نقول : لو أن مالكا لأسهم جاء إلى سوق الأوراق المالية وطالب بقبض حصته الحقيقية من أصول الشركة وموجوداتها التشغيلية لاعتبر الناس ذلك سفها منه وجهالة ومناقضة للواقع ، إذ إن الواقع العملي الذي يشهد به الحس والواقع ويؤكده العقل والمنطق المالي أن طلب حيازة مالك السهم لأصول الشركة التشغيلية هو أمر مستحيل ؛ بل محظور من الناحية القانونية في غير حال التصفية النهائية للشركة ، إذ الأسواق المالية لم توضع لهذا ، والسبب ببساطة أننا في رحاب سوق خاص ما وُجِدَ إلا لتداول الحقوق المجردة والمنفصلة عن أعيانها ومنافعها الحقيقية ، فبات طلب الحيازة العينية أمرا مستهجنا ومستنكرا في سوق تداول " الحقوق المجردة " .

وفي خاتمة هذه الفتوى .. فإنني أحمد الله العلي القدير أن يسر لي إصدار هذه الفتوى نصحا للأمة وامتثالاً لأمره جل وعلا في قوله : { وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ } ، واستشعاراً لكارثية الأخطار المحدقة بأمة الإسلام نتيجة تسلط أعدائها على مقدراتها ومدخراتها عبر أدوات العولمة الاقتصادية الحديثة ، والتي تقع البنوك الربوية والأسواق المالية على رأسها ، وقد خلصت من مجموع الدلائل والحجج الشرعية والعقلية المثبَتَة في هذه الفتوى إلى تقرير ما أراه راجحا عندي ؛ وحاصله : أن نظام تداول الأسهم في الأسواق المالية المعاصرة محرم شرعا ، وذلك استنادا إلى نصوص الكتاب والسنة والأثر ؛ بل والإجماع المعتبر ؛ إلى جانب اعتبار المآلات وصحيح النظر ، بل لو لم يكن في البورصات إلى أن المحرمات فيها أكثر بكثير من المباحات ـ في العقود والمنتجات والأخلاقيات ـ لكفى بذلك قاضيا بمنعها في فقه الشريعة وأصولها وقواعدها ومقاصدها .

وأسأل الله الكريم الرحيم بمنه وكرمه أن ينفع بهذه الفتوى كاتبها وقارءها ، فما كان فيها من حق وصواب فمن الله وحده ، وما كان من خطأ فمني ، كما أسأله أن يجعلها دليلا للمستبصرين وسبيلا للمسترشدين لبلوغ مرضات رب العالمين في الحكم على مسألة " تداول الأسهم " في الأسواق المالية خاصة ، ونظائرها من عقود التداول المالي في البورصات بأنواعها عامة ، والله المستعان .. وهو الموفق للصواب .

 

وكتبها / د. رياض منصور الخليفي

دولة الكويت الأربعاء في 24 جمادى الأولى 1435هـ  الموافق  26 مارس 2014م

 

 


[1] - لقد رصد القرآن الكريم المصدرين الرئيسين للأزمات الاقتصادية بإعجاز اقتصادي بالغ وتشخيص علمي دقيق ، ومن ذلك قول الله تعالى : { فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } ( النساء / 160- 161 ) .

[2] - سورة البقرة / آية 219 .

[3] - أخرجه البخاري ( 9/37 ) رقم ( 7013 ) ، ومسلم ( 1/311 ) رقم ( 523 ) ، عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ .

[4] - البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي ( 4/520 ) ، وقال ابن تيمية في القواعد النورانية ( ص 223 ) : ( وانظر في عموم كلام الله ورسوله لفظا ومعنى ؛ حتى تعطيه حقه ، وأحسن ما تستدل به على معناه : آثار الصحابة الذين كانوا أعلم بمقاصده ، فإن ضبط ذلك يوجب توافق أصول الشريعة وجريها على الأصول الثابتة ) .

[5] - والمواضع الأربعة في القرآن الكريم التي جاء فيها ذكر " الباطل " مقترنا بالأموال هي : قول الله تعالى : { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ } ( البقرة / 188 ) ، والثانية آية : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا  } ( النساء / 29 ) ، والثالثة آية : { فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } ( النساء / 160- 161 ) ، والرابعة آية : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ الله } ( التوبة / 34 ) .

[6] - القبس في شرح موطأ مالك بن أنس لأبي بكر بن العربي المعافري ( 2/787 ) ، دراسة وتحقيق / د. محمد عبدالله ولد كريم ( دار الغرب العربي / ط1 / 1992م ) .

[7] - صحيح مسلم ، كتاب البيوع (22)  ، باب ( 8 ) { بطلان بيع المبيع قبل القبض } .

[8] - الموطأ ( 2/641 ) ، باب العينة وما يشبهها .

[9] - وهي ألفاظ مشهورة في الصحيحين ، كما في البخاري باب ذكر ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ برقم ( 3576 ) ، خلا " التأويل " فعند أحمد والحاكم بإسناد صحيح .

[10] - فائدة : هذا الأثر من نوارد المسائل حيث جمع بين لطيفتين ، أولهما : ثبوت الإجماع بالإسناد في عصر كبار الصحابة ، وثانيهما : استعمالهم للقياس الجلي .

[11] - أخرجه مسلم ( 3/938 ) برقم ( 1525 ) .

[12] - أخرجه البخاري ( 3/68 ) برقم ( 2132 ) .

[13] - وذلك في قول الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون . إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون } .. المائدة / آية 90-91 .

[14] - سورة البقرة / آية 275 .

[15] - سورة المائدة / آية 90-91 .

[16] - رواه مسلم (3/1153) ، رقم (1513) .

[17] - نحو نموذج إسلامي لسوق الأسهم ، د.سيف الدين إبراهيم تاج الدين ، أستاذ الاقتصاد بجامعة الملك عبد العزيز ، دراسة علمية محكمة منشورة بمجلة أبحاث الاقتصاد الإسلامي ، م3 ، ع1 ، 1405هـ / 1985م ، ص81-82 .

[18] - أخرجه عبد الرزاق ( 8/39 ) برقم ( 14214 ) ، والدارقطني ( 3/8 ) رقم ( 25 ) ، والبيهقي ( 5/313 ) ، وحسنه النووي في المجموع ( 9/328 ) .

[19] - رواه الخمسة ، رواه أحمد ( 3/401،403 ) وأبوداود ( 3486 ) والترمذي ( 1250 ) والنسائي ( 4612 ) وابن ماجه ( 2187 ) ، وصححه ابن حزم والنووي ، وصححه من المتأخرين الألباني كما في إرواء الغليل ( 5/132 ) برقم ( 1292 ) .

[20] - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ ، أخرجه أحمد ( 11/253 ) رقم ( 6671 ) ، وأبو داود (3/495 ) رقم ( 3504 ) ، والترمذي ( 2/515 ) رقم ( 1234 ) ، والحاكم وصححه في مستدركه ( 2/17 ) ، وكذا صححه أئمة هذا الشأن .

[21] - رواه النسائي في سننه ، كتاب البيوع ، باب بيع المغانم قبل أن تقسم برقم ( 4645 ) ، والحاكم في مستدركه عن ابن عباس ، برقم ( - ) .

[22] - رواه الدارمي في سننه ، باب في النهي عن بيع المغانم حتى تقسم ، عن أبي أمامة ـ رضي الله عنه ـ ، برقم ( 2476 ) ، ويلاحظ دلالة لفظ " السهام "في هذه الرواية .

[23] - أحمد في مسنده برقم ( 10984 ) وابن ماجه في سننه برقم ( 2/740 ) ( 2196 ) ط الحلبي ، عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ .

[24] - سورة النساء / آية 29 .

[25] - سورة الحشر / آية 2 .

[26] - سورة يوسف / آية 111 .

[27] - الأشباه والنظائر لابن نجيم ص212 ، وانظر : موسوعة القواعد الفقهية .. د. محمد صدقي البورنو ( 1/113 ) ، وانظر فيه : ( 3/147-148 ) .

[28] - المبسوط للسرخسي ( 23/180 ) ، وانظر : موسوعة القواعد الفقهية .. د. محمد صدقي البورنو ( 3/147-148 ) .

[29] - شرح الخاتمة ص25 ، وانظر : موسوعة القواعد الفقهية .. د. محمد صدقي البورنو ( 3/113 ) .

[30] - موسوعة القواعد الفقهية .. د. محمد صدقي البورنو ( 1/113-114 ) .