شروط البيع في الاقتصاد الإسلامي

-A A +A
 
شروط البيع في الاقتصاد الإسلامي :
 
1 – شرط الرضى 
فلا يصح البيع إلا عن تراض بين الطرفين ، قال تعالى :((إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم )) ، ولكن ، كيف يتحقق شرط التراضي بين المتعاقدين هنا ؟؟
*** وللعلماء ثلاثة أقوال في تحقيق شرط الرضى في البيع ، وهذه المسألة مهمة ، لأنه قد جدت كثير من النوازل في هذا الزمان التي تتعلق بهذه المسألة ، فأنت مثلا تضع النقود في آلات بيع المرطبات فتخرج لك ما تريد ، فهل حصل هنا تراض بين البائع والمشتري ؟ وأيضا أنت تشتري عن طريق بطاقة الفيزا في الإنترنت ، فهل حصل هنا تراض ؟
*** للعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال :
*** أ : أن التراضي لا يحصل إلا بالقول ، أي بالإيجاب والقبول ، وهذه مشكلة في زماننا ، لأن بعض المعاملات المالية الضخمة تجري في البورصة مثلا بلا إيجاب ولا قبول لفظي ، بل عن طريق الحاسوب في شبكة عالمية دولية ، بوسائل لها قوة الإيجاب والقبول اللفظي بل أقوى منه وأوثق .
*** ب : أن التراضي يكون بالقول في الأصل ، ويجوز بالفعل في الأمور التي يكثر عليها التعاقد ، وهذا تسامح من بعض الفقهاء من أصحاب القول الأول ، ومثال ذلك أن تعطي الخباز النقود فيعطيك الخبز وكلاكما صامت ، وأن تركب سيارة أجرة والتعرفة معلومة فتدفع وأنت صامت ، وكذا ما سبق عن آلات بيع المرطبات ، فمثل هذا يسميه الفقهاء المعاطاة ، ويقولون هؤلاء إن ما كثر التعاقد عليه من الأمور الحياتية اليومية يصح البيع فيها بالمعاطاة ، ولا يشترط الإيجاب والقبول اللفظي .
***ج : أن التراضي يكون بكل ما يدل عليه من قول أو فعل ، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيميه ، وكان شيخ الإسلام ذا شخصية عبقرية ، وقد كان دائما يسبق الأحداث ، فكأنه كان يعيش خارج عصره .
 ومن الأمثلة على ذلك ، التعاملات عن طريق البورصة كما سبق ، حيث تقع في لحظات بل ثوان ، بنظام متفق عليه بين الشركات والمتعاقدين يدل على الرضى ، فهي كلها صحيحة لا إشكال فيها ، وقد دخل في هذا الحكـــــم ـ أعني صحة البيع بالمعاطاة في كل ما يدل على الرضى من قول أو فعل ـ كل ما يأتي الزمان به مستقبلا من صور قد نجهلها الآن .
ولكن يجب أن يسبق هذا اتفاق بين الشركات وبين البائع والمشتري على نظام محدد يعبر عن الرضى ، كرقم الفيزا على الإنترنت الذي يعبر عن صاحبه ، ولو لم يكن راضيا لم يضع رقمه عند شراء السلعة ، وفي بعض المعاملات قد تعطي هذا الرقم على الهاتف معبرا عن الرضى ، وهكذا ، فالمهم أن يكون ثمة وسيلة ما تحقق هذا الشرط بين المتعاقدين ، ولا يشترط الإيجاب والقبول اللفظي .
 
2 – شرط الرشد :
والعلماء يستثنون من اشتراط الرشد ، بيع المميز في الأمور التي جرى العرف عليها ، مثال ذلك : لو قال ولد مميز لأبيه : أنا بعت بيتنا لفلان ، فهذا لا يصح ، ولكن إذا باع الحلويات في بقالة أبيه فهذا حسب العرف يصح .
والسفيه ليس براشد فلا يصح بيعه ، والسفيه هو الذي يتصرف في ماله بطريقة تدل على أنه غير راشد فيحجر عليه ، والحاصل أنه يجب أن يكون التعامل بين طرفين راشدين ، فإن قيل فكيف بالتعامل مع الآلة ، وكيف يتحقق شرط الرشد فيها ، والجواب أن التعامل هنا في الأساس مع الشركة التي وضعت الآلة ، وليست الآلة سوى وسيلة للقبض فقط .
 
3 – الشرط الثالث أن يكون المبيع مالا :
والمال هو كل ما شرع الإسلام بأنه مال مباح يجوز تملكه ، فكل محرم في الإسلام هو غير محترم ، وليس بمال ، ولا يجوز التعاقد عليه وحتى لو كسرته أو أرقته لا تضمنه شرعا ، لأنه لا قيمة له كالآلات الطرب ، واشتراط أن يكون المبيع مالا ، قضية مهمة جدا في المعاملات المعاصرة .
ومن أمثلة ذلك :
 
&&& بيع الأعضاء البشرية ، وهو الآن سوق رائجة ، وله شركات عالمية تبيع وتشتري في الدول الفقيرة ولكل سلعة سعر ، فهل يصح هذا ؟؟ والصحيح أنه لا يصح لأن الأعضاء ليست مالا بل هبة من الله لك .
ولكن هنا مسألة مهمة , هي أنه قد عرض على هيئة كبار العلماء في السعودية قضية شراء الجثث للتعلم في الطب ، وهي ضرورة ملحة ، وهذه المسألة من النوازل ، ولهذا فلا بد من وجود علماء في المسلمين ، يكون لديهم إحاطة بأمرين مهمين :
***الأول : القواعد الشرعية العامة التي أطر الشريعة الإسلامية .
***الثاني : النصوص .
ذلك أنه فهم النص في سياق القواعد الشرعية ، يختلف عن فهمه مقطوعا عن ذلك ، فالأول يثمر الفهم الصائب ، والثاني يثمر فهما خاطئا .
فكانت الإجابة من كبار العلماء بأنه لا يجوز شراء جثة المسلم ولا استعمالها في التعليم لحرمة المسلم ، بينما يجوز استعمال جثة الكافر للتعليم من باب ارتكاب أخف الضررين ، وهذه فتوى صحيحة ، فالكافر ليس له حرمة المسلم .
 
 من الأمثلة على ذلك أنه لا يجوز بيع الدم لأنه نجس فهو ليس بمال ، ولا الكلب لأنه محرم والمحرم ليس بمال ، وقيل يجوز ، إن جاز استعماله
 
4– الشرط الرابع أن يكون المبيع ملكا للمشتري :
ـــــــــــــــــــــــــــ
وهنا مسألة قد عمت بها البلوى ، لها علاقة بهذا الشرط ، وهي أن لدينا كثير بل أكثر الناس سياراتهم ، بل بيوتهم ، وغيرها ، قد اشتروها عن طريق المرابحة في بعض البنوك الإسلامية.
والمقصود هنا ، أن بيع المرابحة ، أعترض عليه بأنه قد تخلف فيه شرط ملك البائع لما يبيعه ـ وهو البنك الإسلامي ـ وأنه لا يجوز له بيع ما لا يملكه .
ومثال ذلك : لو جاءك شخص وقال أرغب بشراء سيارة صديقك ، فقلت له بعتك ، ناويا أنك تشتريها من صديقك ثم تبيعها عليه ، وقال اشتريت ، فهذا عقد باطل ، لانه قد يأتي صاحب السيارة فيرفض بيعها لك ، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا البيع قائلا (( لاتبع ما ليس عندك )) رواه أحمد وأصحاب السنن من حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه .
فهل بعض البنوك الإسلامية ، عندما تبيع سيارات أو سلع الشركات الأخرى ، هل هو يبيع ما يملك ، وما ليس عنده .
ومن المعلوم أن العميل عندما يأتي إلى البنك الإسلامي ليشتري سيارة مثلا ، يقول له البنك الإسلامي : أنا أبيعك ، ويقصد بذلك أنا أبيعك ما تختاره من السيارات الموجودة في الشركات التي في السوق ، ولكن من أين يأتي بها ؟ وهل هو يبيع ما يملك ؟ 
وقد حاول بعض الفقهاء أن يخرجوا البنك الإسلامي من هذا الإشكال بما يلي : 
*** أولا : أن يعد العميل البنك الإسلامي بالشراء ، والبنك يعد العميل بالبيع ، ويوقع الطرفان على (الوعد). ومعنى هذه الورقة الموقعة بين الطرفين بالوعد : أي : البيع لم يتم بعد ، لكن وعدناك بالبيع بعدما نشتري السلعة ، وأنت وعدتنا بالشراء منا .
*** ثانيا : يجعل البنك هذه الورقة ملزمة ؟ فأنت عندما تأتي البنك الإسلامي ، وتوقع على الوعد بالشراء ، فأنت ملزم بإتمام العملية ، ويقولون هي ليست ببيع ، حتى لا نقع في إشكال بيع مالا يملك البائع ، وإنما هي وعد ، والمسلم مسؤول عن وعده ، ملزم بالوفاء به .
*** ثالثا : بعدها يعطي البنك الإسلامي للشركة ، قيمة البضاعة نقدا ، ويحولها إلى المشتري بالأقساط بربح معلوم ، فيضمن بذلك عدم تراجع المشتري عن الصفقة ، ويضمن أيضا ربحه فيها . 
وقد ألف الشيخ محمد الأشقر رسالة بين فيها بطلان هذه المعاملة ، وأن إلزام العميل بالبيع عند الوعد بالشراء لا يجوز ، لانه يجعل البنك كأنه قد باع مالا يملك وحرر هناك أن الوعد لا يلزم ، وفصل القول فيه : هل يلزم الوعد بالشراء قضاء أم ديانة ؟
ومعنى ذلك أنني إذا وعدتك ، ولم اشتر ، فاشتكيت للقضاء فهل يلزمني القاضي بذلك ؟ ومعنى ديانة ، أن القضاء إذا لم يلزمني ، هل عليه إثم لو أخلفت وعدي ، وعلي التوبة .
وبين أن الوعد بالشراء هنا غير ملزم ، وأن الواجب أن يشتري البنك الإسلامي السلعة من الشركة ويملكها بعقد رسمي يكون بمثابة حيازتها ، ثم يبيعها للعميل مقسطة ويربح فيها ، وليس للبنك الإسلامي أن يلزم العميل بمجرد الوعد بإتمام الصفقة ، لان ذلك في حقيقته بيع ، وإن كانت صورته صورة وعد. 
لكن المتحايلون أتوا بطريقة أخرى : وهي أن لا يقوم البنك الإسلامي بشراء السلعة ، بعقد رسمي من الشركة التي يطلب العميل سلعة منها ، ويكون العق بمثابة الحيازة ، بل يكفي الإيجاب والقبول عن طريق الهاتف ، ثم يوقع مع العميل عقد البيع ، ويبيع السلعة بالأقساط ، ثم بعد ذلك يتم البنك الإسلامي العملية مع الشركة .
ولكن هذه العلمية أيضا غير شرعية ، وإنما هو تحايل ، أرادوا به أن يفارقوا في الصورة فقط ، بين ما تجريه شركات التسهيلات الربوية ، ومعاملة البنك الإسلامي ، وقد صح في الحديث أن صلى الله عليه وسلم ((نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم )) رواه أبو داود من حديث زيد بن ثابت .
وهذا يعني أن التاجر يجب عليه بعد التملك أن يحوز السلعة إذا أراد إعادة بيعها ، وحيازة كل شيء بحسبه ، وليس معناها بالضرورة نقل السلعة إلى مكان البائع في كل الأحوال ، فقد تكون السلعة طائرات أو سفنا أو سيارات كثيرة لايمكن البائع أن ينقلها ، ولكن يجب أن تكون السلعة ، انتقلت إليه وصارت في حوزته ، مثل أن يكون ثمة أوراق رسمية لها قوة القانون تثبت أن السلعة هي في حوزة البنك ومسجلة باسمه ، بحيث لو فرض أن تراجع المشتري ، فالسلعة قد دخلت في ذمة البنك الإسلامي دخولا تاما .
وننبه هنا إلى أن من صور بيع السلع قبل حيازتها ، ما يحصل أحيانا في بيع التورق ، فعلى سبيل المثال ، نجد من هو بحاجة إلى نقود ، يذهب ليشتري كمية من الإسمنت مثلا بالأقساط ، ويوقع على الشراء ، ثم يبيعه مباشرة لمقاول بسعر أقل نقدا ، وذلك قبل الحيازة ، بل إنه لا يعرف أين بضاعته ، وهذا بيع منهي عنه ، وهو بيع التاجر السلعة قبل حيازتها ، أما إذا فصلت البضاعة ، وأخليت للمشتري ، ثم باعها المشتري للمقاول ، فهذه هي مسألة التورق التي فيها الخلاف المشهور ، ، ومن أهل العلم من يحرمها مطلقا ومنهم من يبيحها بشرط الحيازة مطلقا ، ومنهم من يبيحها بعد الحيازة للحاجة فقط .
وكلنا يتذكر أن أزمة سوق المناخ ، إنما حدثت بسبب مخالفة هذا الشر ط ، أعني شرط ملك السلعة قبل بيعها ، فقد كانت تباع أسهم شركات وهمية بالأجل ، طامعا من يشتريها أن يعيد بيعها ويحصل على الأرباح ، ريثما يحين الأجل فيقدر على تسديد الدين الذي عليه ، ولكن الذي حدث أن السوق الوهمي انهار وبقيت الديون على أصحابها ، وتحملت الدولة أزمة كبيرة جدا بقيت إلى سنوات.
 
5 – الشرط الخامس القدرة على التسليم :
وهذا شرط أساسي ، لأنه إن لم يمكن التسليم فلن يتحقق مقصود البيع ، ومثال ذلك تحريم بيع السمك في الماء والطير في الهواء ، وبيع سلعة هي في بلاد حرب على سبيل المثال ، فلا يمكن تسليمها ، فهذا كله لا يصح .
 
6 – الشرط السادس معرفة الثمن
ويحدد ثمن السلعة بالمشاهدة أو الوصف .
 
7 - معرفة المثمن ، أي السلعة :
بالمشاهدة أو الوصف كذلك ، مثاله : إن قال بعتك سيارة وقال الآخر اشتريت لم يصح ، فلم تعرف السيارة ولا ثمنها ، ولو قال بعتك سيارة بخمسة آلاف لم يصح لعدم معرفة العملة ، فيجب تحديد الثمن ، إلا إن كانت العرف يحددها ولكن على شبكة الإنترنت مثلا يجب تحديد العملة . 
والمشاهدة ، يمكن أن تكون عن طريق الوسائل التي تنقل الصوت والصورة ، ويكفي ذلك في مشاهدة السلع في البيوع ، إن كانت موثوقة ، ويبقى المشتري على الخيار إن وجد الواقع مختلفا .
ولكن هل يصح أن فيتزوج رجل في السعودية بامرأة في إندونيسيا والشهود في الكويت في مجلس واحد هو غرفة في الإنترنت ! فهل يصح العقد ؟ هذه المسألة تحتاج إلى بحث ؟